تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

76

نظرية المعرفة

المواهب الحسيّة والعقلية - على التعرف عليها تعرّفاً كاملًا على حدّ يصحّ أن يقال معه إنّ الموجود في الخارج هو بعينه الحاصل في الذهن ، والتفاوت بين الموجودَيْن هو في كيفية الظهور والوجود . وبعبارة أُخرى : إنّ المعلوم الذهني يتحد ماهية مع المعلوم الخارجي ، وإن كان يختلف عنه في مرتبة الوجود ، فالنار في الذهن نفس النار في الخارج ماهيةً ، غاية ما في الأمر أنّهما يختلفان في كيفية الظهور . ولأجل ذلك تكون النار الخارجية محرقة دون الذهنية . وعلى هذا الأساس عرّفوا الفلسفة بأنّها العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية . وليس المراد من قولهم « بقدر الطاقة البشرية » ، أنّ كل إنسان ينال من الخارج والواقع حسب استعداده وقابليته ، فالشيخ الرئيس بما كان له من المواهب الكبيرة يدرك النار الخارجية على حسب ما يناسب قابليته ، في حين أنّ الإنسان العادي يدركها بنحو آخر حسب لياقته الذهنية فتختلف كيفية الإدراك باختلاف الاستعدادات ، ويتفاوت تجلّي الأشياء في الذهن حسب تفاوت المواهب الفكريّة . لا ، ليس ذلك هو المراد ، بل المراد هو تفاوت الأفراد في المعرفة من حيث الكميّة ، لأنّ العالم مليء بالموجودات والسنن الحاكمة عليها ، وليس في وسع كل إنسان أن يحيط بها ، بل كل إنسان يتعرّف على قسم وجانب خاص من الواقعيات حسب إمكاناته وظروفه . فربّ عالم يقف على أشياء لا يقف عليها غيره ، وإن كانا فيما وقفا عليه متّفقيْن من حيث المعرفة ، كما عرفت في حديث النار . وقد أصرّ فلاسفة الإسلام على وحدة المعلوم الذهني والخارجي ، وعلى كون العلم الصحيح معرباً عن صميم الواقع ، على وجه عرّفوا دور الفلسفة بقولهم : إنّها تُصَيِّرُ الإنسان عالماً ( بالفتح ) عقلياً مضاهياً للعالَم العيني . بمعنى أنّ ما يقف عليه من المعارف نفس الواقع ، بتفاوتِ أنّ ما عنده وجود عقلي للأشياء ، وما في الخارج وجود عيني لها ، ولا يختلفان وراء ذلك قيد شعرة . هذا إلمام إجمالي بمنهج اليقين ، وقد تبنّاه عامة فلاسفة الإغريق والإسلام وتبعهم جماعة من الغرب . ولأجل إلمام الباحث بنظرياتهم حول قيمة العلم والمعرفة ومدى كشفه ، نبحث فيما يلي نظريات أبرز فلاسفة هذا المنهج .